الشيخ محمد رشيد رضا

13

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

رحم ربك ولذلك خلقهم : وكون الخلاف بينهم ضروريا تعرفه من كتاب ( جواب مفصل الخلاف وهو الفصول الاثني عشر ) « فقال : فلو أصغوا إليك كيف كنت تفعل ؟ قلت : كنت أعاملهم بآية واحدة من كتاب اللّه تعالى ( 57 : 25 وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ) الآية وإنما أنزل هذه الثلاث لأن الناس ثلاثة أصناف - عوام وهم أهل السلامة البله وهم أهل الجنة . وخواص وهم أهل الذكاء والبصيرة ، ويتولد بينهم طائفة هم أهل الجدل والشغب فيتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة أما الخواص فانى أعالجهم بأن أعلمهم الموازين القسط وكيفية الوزن بها فيرتفع الخلاف بينهم على قرب . وهؤلاء قوم اجتمع فيهم ثلاث خصال ( أحدها ) القريحة النافذة والفطنة القوية . وهذه فطرية وغريزة جبلية لا يمكن كسبها ( الثانية ) خلو باطنهم من تقليد وتعصب لمذهب موروث مسموع . فان المقلد لا يصغى والليد وإن أصغى لا يفهم ( الثالثة ) أن يعتقد أنى من أهل البصيرة بالميزان ومن لا يؤمن بأنك تعرف الحساب لا يمكن أن يتعلمه منك « 1 » « والصنف الثاني : البله وهم جميع العوام ، وهؤلاء هم الذين ليس لهم فطنة لفهم الحقائق وإن كانت لهم فطنة فطرية فليس لهم داعية الطلب ، بل شغلتهم الصناعات والحرف . وليس فيهم أيضا داعية الجدل بخلاف المتكايسين في العلم مع قصور الفهم عنه ، فهؤلاء لا يختلفون ولا يتخيرون بين الأئمة المختلفين . فأدعو هؤلاء إلى اللّه بالموعظة كما أدعو أهل البصيرة بالحكمة ، وأدعو أهل الشغب بالمجادلة ، وقد جمع اللّه هذه الثلاثة في آية واحدة ، « 2 » كما تلوته عليك أولا ، فأقول لهم ما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأعرابى جاءه فقال « علمني من غرائب العلم فعلم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنه ليس أهلا لذلك فقال له : وما ذا عملت في رأس العلم ؟ »

--> ( 1 ) يريد بالثالثة طريقة تنفيذ ما قبلها . وإنما الطريقة أن يكون للأمة أولو أمر كما قلنا ( 2 ) يريد الآية 125 من السورة 16 ( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) الآية